top of page

المعتصم بالله

نسبه 
أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد بن المهدى بن المنصور المعتصم بالله العباسى. 

وُلِد المعتصم بالله سنة 179هـ، وكَرِه التعليم في صغره، فنشأ ضعيف القراءة يكاد يكون أُميًّا، وكان ذا شجاعة وقوة وهمة، بُويع بالخلافة سنة 218 هـ، بعد وفاة أخيه المأمون وبعهد منه، وقد سلك مسلَك المأمون في سيرته، وفتح عَمُّورية من بلاد الروم الشرقية، وبنى مدينة سامراء سنة 222هـ، حين ضاقت بغداد بجنده، وهو أول من أضاف اسمه إلى اسم الله تعالى من الخلفاء، فقِيل المعتصم بالله وكان يُقال له المثمَّن؛ لأنه ثامن الخلفاء من بنى العباس، وثامن أولاد الرشيد، وملك سنة ثمان عشرة، وملك ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وعاش ثمانية وأربعين سنة، وفتح ثمانية فتوح، وقتل ثمانيـة أعـداء، وخَـلَف ثمـانية بنين وثمانـية مـن البـنات. وتُوفـى المعـتصم في سامراء سنة 227هـ، وكان نَقشُ خاتمه الحمد الله الذي ليس كمثله شيء. 


مرض الخليفة المأمون في طرسوس، ولم يكن قد عقد لأحد بعده بولاية العهد، فاستدعى أخاه المعتصم وعهد إليه بالخلافة من بعده، دون ابنه العباس الذي كان موجودًا معه في طرسوس للقيام بغزو الدولة البيزنطية، ورد هجماتها، لكن مرضه حال دون إتمام ذلك.

ولعلَّ الذي جعل المأمون يُؤثر أخـاه بالحكـم دون ابـنه أن الخلافة العبـاسية كـانـت تتـهددها الأخطـار من الـداخـل والخـارج في ثورة بـابك الخرمي في فارس، وهجمات البيزنطيين، وكان المعتصم بطلاً شُجاعًا متمرسًا بالحرب خبيرًا بشؤونها، فآثر المأمون المصلحة العليا للخلافة بتـولِيَة من يصلح لهذه الفترة، وتمت البيعة بعد وفاته في 218هـ - 833 م.

وكـان المعـتـصـم يتـمـيـز بـقــوَّتــه الجـســديـة وشِـدَّتـه فـي الحـرب، حتـى قيـل عنه إنه كان يُصارع الأُسود ويحمل ألف رطل، ويمشي بها خطوات.


الثورات
كانت وصية المأمون لأخيه المعتصم أن يقضي على فتنة بابك الخرمي، وكان زعيم طائفة ضالة، يعتقد أصحابها بالحلول والتناسخ، وبدأت تلك الفتنة في أذربيجان ثم اتسع نطاقها إلى همدان وأصبهان وبلاد الأكراد، وجرجان، وأصبحت خطرا يحدق بالدولة العباسية، ووجدت عونًا ومساندة من الروم.

وحاول المأمون أن يقضي على تلك الفتنة التي اشتعل أوارها، وأرسل إليها الحملات العسكرية، لكنها لم تستطع القضاء على تلك الفتنة، وتوفي المأمون دون أن يتحقق أمله، وحمل المعتصم مهمة القضاء على هذه الحركة، فنجح في ذلك على الرغم من مهارة بابك الخرمي العسكرية، وقدرته على وضع الخطط العسكرية، مُستغلاً معرفته بطبيعة الإقليم الذي يتحصن فيه، من جبال و مضايق و وديان.

وامتدت الحرب أربع سنوات، حتى تمكَّن (الأفشين) أبرع قادة المعتصم من إِخماد الفتنة، والقبض على بابك الخرمي في 10 شوال 222هـ -837 م، وكانت هذه الفتنة من أعظم الفتن التي تعرَّضت لها الدولة العباسية، فقد شغلت الخلافة أكثر من عشرين سنة، وقُُتل من أجل القضاء عليها آلاف المسلمين، قدّرهم الطبري المؤرخ بنحو مائتين وخمسين ألف مسلم، وأَنفقت الدولة العباسية من أجلها ملايين الدراهم والدنانير.

ولم يكد المعتصم يستريح من فتنة بابك الخرمي، حتى شبّت فتنة أخرى في إقليم طبرستان، حيث قام وليها (المازيار) بشقِّ عصا الطاعة، ومحاولة الاستقلال بالإقليم بعيدًا عن سلطة الدولة العباسية، ولم تفلح المحاولات التي بذلها المعتصم لحل المشكلة سلمًا مع المازيار الذي تمادى في غيِّه، فلجأ المعتصم إلى السيف، حتى تمكن من القضاء عليه في سنة 224هـ - 839م. 

وامعتصماه.. فتحت عمورية
استغل الروم انشغال الخليفة المعتصم في القضاء على فِتنة بابك الخرمي، وجهزوا جيشًا ضخمًا قاده ملك الروم، بلغ أكثر من مائة ألف جندي، هاجم شمال الشام والجزيرة، ودخل مدينة (زِبَطْرة) التي تقع على الثغور، وكانت تخرج منها الغزوات ضد الروم، وقتل الجيش الرومي من بداخل حصون المدينة من الرجال، وانتقل إلى (ملطية) المجاورة فأغار عليها، وعلى كثير من الحصون، ومثّل بمن صار في يده من المسلمين، وسَمَلَ أعينهم، وقطع آذانهم وأنوفهم، وسبى من المسلمات فيما قيل أكثر من ألف امرأة.

وصلت هذه الأبناء المروعة إلى أسماع الخليفة، وحكى الهاربون الفظائع التي ارتكبها الروم مع السكان العُزَّل؛ فتحرك على الفور، وأمر بعمامة الغُزاة فاعتم بها ونادى لساعته بالنفير والاستعداد للحرب.

ويَـذكر بعـض الـرواة أن امـرأة ممـن وقـعت فـي أسـر الـروم قـالت: وامعـتصماه، فنُقـل إليـه ذلـك الحـديـث، وفـي يده قـدَح يريـد أن يـشرب مـا فيـه، فوضعه، ونادى بالإستعداد للحرب.

وخرج المعـتصم عـلى رأس جيـش كبـير، وجـهّـزه بمـا لـم يعـدّه أحـد مـن قبـله مـن السلاح والمؤن وآلات الحـرب والحصـار، حتـى وصـل إلى منطـقة الثـغور، ودمّـرت جـيوشه مدينـة أنـقرة، ثـم اتجهـت إلى عمـورية في 223هـ - 838م وضـربـت حصـارًا عـلى المديـنة المنـيعة دام نصـف عام تقـريبا، ذاقت خـلاله الأهوال حـتى استـسلمت المدينـة، ودخلـها المسلمـون فـي سـنة 223هـ - 838م بـعد أن قتل من أهلها ثلاثون ألفًا، وغنم المسلمون غنائم عظيمة، وأمر الخليفة المعتصم بهدم أسوار المدينة المنيعة وأبوابها وكان لهذا الانتصار الكبير صداه في بلاد المسلمين 

وفاته
ظـلَّ المعتـصم يـواصـل فتـوحـاته وغـزواتـه، ففُتـحت بعـض مـدن صقـلية، وغـزت جنـودُه (قِلّـوريـة) وتقـع فـي جنـوب إيطـاليا، وتسـمى الآن (كالابـريا)، وكـذلك جـزيـرة (مالـطة) ولـم تـكن غـزيـت مـن قـبل.

وفـي يـوم الخمـيس المـوافـق 18 ربـيع الأول 227هـ - 842م عـن عـمـر ثمـان وأربعـون سنـة.

bottom of page